محمد بن جرير الطبري
72
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
والإيمانُ بمحكمه المبين ، باب خامسٌ من أبوابها ؛ والتسليمُ لمتشابهه الذي استأثر الله بعلمه وحَجَب علمه عن خلقه والإقرارُ بأن كل ذلك من عند رّبه ، باب سادسٌ من أبوابها ؛ والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بعظاته ، باب سابعٌ من أبوابها . فجميع ما في القرآن - من حروفه السبعة ، وأبوابه السبعة التي نزل منها - جعله الله لعباده إلى رضوانه هاديًا ، ولهم إلى الجنة قائدًا . فذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " نزل القرآن من سبعة أبواب الجنة " . وأما قوله صلى الله عليه وسلم في القرآن : " إن لكلّ حرف منه حدًّا " ، يعني ( 1 ) لكل وجه من أوجهه السبعة حد حدّه الله جل ثناؤه ، لا يجوز لأحد أن يتجاوزه . وقوله صلى الله عليه وسلم : " وإن لكل حرف منها ظَهرًا وبطنًا " ، فظهره : الظاهر في التلاوة ، وبطنه : ما بطن من تأويله ( 2 ) . وقوله : " وإن لكلّ حدٍّ من ذلكُ مطَّلَعًا " ، فإنه يعني أنّ لكل حدٍّ من حدود الله التي حدَّها فيه - من حلالٍ وحرامٍ ، وسائر شرائعه - مقدارًا من ثواب الله وعقابه ، يُعاينه في الآخرة ، ويَطَّلع عليه ويلاقيه في القيامة . كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " لو أنّ لي ما في الأرض من صفراءَ وبيضاءَ لافتديتُ به من هَوْلِ المطَّلَع " ، يعني بذلك ما يطَّلع عليه ويهجُم عليه من أمر الله بعد وفاته .
--> ( 1 ) انظر ما مضى في خبر عبد الله بن مسعود . الحديث رقم : 10 والتعليق عليه . ( 2 ) الظاهر : هو ما تعرفه العرب من كلامها ، وما لا يعذر أحد بجهالته من حلال وحرام . والباطن : هو التفسير الذي يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه . ولم يرد الطبري ما تفعله طائفة الصوفية وأشباههم في التلعب بكتاب الله وسنة رسوله ، والعبث بدلالات ألفاظ القرآن ، وادعائهم أن لألفاظه " ظاهرًا " هو الذي يعلمه علماء المسلمين ، و " باطنًا " يعلمه أهل الحقيقة ، فيما يزعمون .